عبد الرحمن جامي

30

شرح الجامي على فصوص الحكم

انتقلت من التشبيه بالأجسام إلى التشبيه بالمعاني المحدثة المفارقة للنعوت القديمة في الحقيقة والحد فما انتقلوا من التشبيه بالمحدثات أصلا ، ولو قلنا بقولهم لم نعدل مثلا من الاستواء الذي هو الاستقرار إلى الاستواء الذي هو الاستيلاء كما عدلوا ، ولا سيما والعرش مذكور في نسبة هذا الاستواء ، ويبطل معنى الاستيلاء مع ذكر السرير ، ويستحيل صرفه إلى معنى آخر ينافي الاستقرار ، فكنت أقول : إن التشبيه مثلا إنما وقع بالاستواء ، والاستواء معنى لا بالمستوى الذي هو الجسم ، والاستواء حقيقة معقولة معنوية تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات ، ولا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهره فهذا غلط بين لا خفاء به ، وأما المجسمة فلم يكن ينبغي لهم أن يتجاوزوا باللفظ الوارد إلى أحد محتملاته مع إيمانهم ووقوفهم مع قوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [ الشورى : 11 ] . مسألة : كما أنه تعالى لم يأمر بالفحشاء كذلك لا يريدها ، لكن قضاها وقدرها بيان كونه لا يريدها ، لأن كونها فاحشة ليس عينها بل هو حكم اللّه فيها ، وحكم اللّه في الأشياء غير مخلوق ، وما لم يجر عليه الخلق لا يكون مرادا ، فإن ألزمناه في الطاعة التزمناه وقلنا الإرادة للطاعة ثبتت سمعا لا عقلا فأثبتوها في الفحشاء ونحن قبلناها إيمانا ، كما قبلنا وزن الأعمال وصورها مع كونها أعراضا فلا يقدح ذلك فيما ذهبنا إليه لما اقتضاه الدليل . مسألة : العدم للممكن المتقدم بالحكم على وجوده ليس بمراد ، لكن العدم الذي يقارنه حكما حال وجوده إذ لو لم يكن الوجود لكان ذلك العدم منسحبا عليه هو مراد حال وجود الممكن لجواز استصحاب العدم له ، وعدم الممكن الذي ليس بمراد هو الذي في مقابلة وجود الواجب لذاته ، لأن مرتبة الوجود المطلق تقابل العدم المطلق الذي للممكن ، إذ ليس له جواز وجود في هذه المرتبة وهذا في وجود الألوهة لا غير . مسألة : لا يستحيل في العقل وجود قديم ليس بإله فإن لم يكن فمن طريق السمع لا غير . مسألة : كون المخصص مريد الوجود ممكن مّا ليس تخصيصه لوجوده من حيث هو وجود ، لكن من حيث نسبته لممكن ما تجوز نسبته لممكن آخر ، فالوجود من حيث الممكن مطلقا لا من حيث ممكن ما ليس بمراد ولا بواقع أصلا إلّا بممكن ما ، وإذا كان بممكن ما فليس هو بمراد من حيث هو لكن من حيث نسبته لممكن ما لا غير .